السيد محمد حسين فضل الله
12
من وحي القرآن
وذلك لكونه لم يكن يعلم عليه السّلام أنه ستكون له ذرية تخلفه إلا من بعد ما بشرته الملائكة بالأولاد ، مما يلزم عنه أن الإمامة المجعولة لإبراهيم عليه السّلام هي غير النبوّة ، لا يصلح دليلا على الموضوع ، إذ من الممكن للإنسان أن يتحدث عن مستقبل أولاده الذين يرجو أن يرزق بهم - بحسب طبيعة الأنبياء - لاهتمامه بامتداد الخط في ذريته ، ولا سيما إذا عرفنا أنه لم يتحدث عن ذريته بشكل مباشر بل كان يتحدث عن الأجيال القادمة من أولاده ممن لم يكونوا موجودين . وقد نستوحي من القرآن أن إبراهيم كان عارفا بطبيعة المهمّة ومطمئنا إليها ، فلما أتمّ الكلمات ، أو أتمّ اللّه له الكلمات ، ونجح في الامتحان ، لم يفاجأ بالعهد الإلهي في قوله تعالى : إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً فلم يصدر عنه أيّ ردّ فعل في ما واجهه من مسؤولية جديدة في نطاق ذاته ، بل كان ردّ فعله منطلقا من التفكير في مستقبل العهد وامتداده ، فهل هو من العهود التي تقتصر عليه من خلال المهمّة المحدودة بالزمان والمكان والشخص ، أم هو من العهود التي تمتد بامتداد الذريّة في مدى الزمن ، فتساءل : وَمِنْ ذُرِّيَّتِي في استفهام متطلّع مستشرف يحمل طابع الأمنية التي يحملها الإنسان في فطرته لذرّيته في كل خير يحصل له . وكان الجواب حاسما ينطلق في عملية تحديد للقاعدة الرسالية التي تبرر إعطاء العهد لأي إنسان في كل زمان ومكان قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ، فليست القضية امتيازا إرثيا أو تكريما شخصيا يتصل بالذات ، كما هو شأن الملوك الذين يعيشون هاجس وراثة الملك عندما يفكرون في الذرية ، بل القضية مسؤولية رسالية تتصل بحياة الناس في ما يفكرون وفي ما يعيشون ، وبخلافة اللّه في الأرض في ما يريد من تنظيم وتدبير ، وبعبادة اللّه الواحد الأحد في ما تحقق من وحي وما تثير من روحانية ، فلا بد لمن يحملها من كفاءة روحية وفكرية وعملية في ما تمثله الكفاءة من معاني الاستقامة والانسجام مع الخط العام للرسالة وللدعوة ، فهي